نَــبَــرَ


نُــبَـرِزُ الخَـطَّ، فَيَـتَجَـلَّى البَـيَـانُ

هل الفهم في الآلة… أم فينا نحن؟

نحن لا نندهش لأن الآلة تجيب… بل لأننا لم نعد نعرف: هل الجواب يكفي ليُسمّى فهمًا؟

ليست كلمة «يفهم» كلمة سهلة كما تبدو. نحن نستعملها كل يوم دون تردد، فنقول إن الطفل فهم، والطالب فهم، والقارئ فهم، حتى يخيل إلينا أن معناها واضح لا يحتاج إلى تأمل. ولكن ما إن نحاول أن نحدها حتى تتفلت من بين أيدينا. وقد أدرك القدماء هذا المعنى بحدسهم، ففرّقوا بين الحفظ والفهم، وبين الرواية والدراية، وقالوا إن العلم ليس فيما يُجمع، بل فيما يُعقل. لذلك، حين نسأل اليوم: هل تفهم الآلة؟ فالسؤال الأدق ليس عن الآلة، بل عن الفهم نفسه.

الفهم ليس حفظًا. قد يحفظ الإنسان الكثير، ثم يعجز عند أول تغير في السؤال، وقد يجيب إجابة صحيحة دون أن يستطيع شرح الطريق إليها. حتى الدماغ نفسه يكشف هذا التباين؛ فبعض الناس يفهمون الحديث في لحظته ثم يتلاشى أثره سريعًا، كأن الفهم عابر يمر عبر الذاكرة، لكنه لا يستقر فيها بالضرورة. وهو أيضًا ليس شيئًا واحدًا بسيطًا، بل توزيع بين قوى متعددة: هناك ما يكون في اللغة، وما يكون في الحس، وما يظهر في الحركة. لذلك نرى مفارقات غريبة: إنسان لا يحسن وصف الشيء، لكنه يتعامل معه بمهارة، وآخر يصفه بدقة ثم يخطئ عند استخدامه. الفهم هنا أشبه بنسيج، لا بخيط واحد.

ومن هنا لا يعود المعنى شيئًا يسكن الكلمات وحدها، بل يتولد من التجربة التي تحيط بها. كلمة مثل «فنجان القهوة» ليست شكلًا أو اسمًا، بل حرارة ولمس ورائحة ووقت من اليوم وربما حالة نفسية كاملة. لذلك يختلف فهم الطفل للنار عن فهم العالم لها؛ الأول يعرفها ألمًا، والثاني يراها كذلك قانونًا. الكلمة واحدة، لكن التجربة التي تسندها مختلفة، وهذا هو الفرق كله.

عند هذه النقطة يظهر الذكاء الاصطناعي بصورة أوضح. فهو يتعامل مع اللغة بقدرة لافتة، ويصيب فيما يعجز عنه كثير من البشر. لكنه يفعل ذلك بطريقة مختلفة: هو يرى العلاقات بين الكلمات، لا الأشياء ذاتها. يعرف أن «القهوة» ترتبط بسياقات معينة، لكنه لا يذوقها ولا يعيشها. وهنا يبدأ الالتباس: حين تُصيب الآلة الجواب، هل يعني ذلك أنها فهمت؟

الخلط يقع لأننا نساوي بين النتيجة والمعنى. فالآلة تستطيع أن تصف الجوع، لكنها لم تجُع، وتستطيع أن تشرح الخوف، لكنها لم ترتجف. هناك فرق بين استعمال المعنى والعيش داخله، كالفرق بين من يصف المطر ومن يبتل به. والفهم في الإنسان كثيرًا ما يقع في هذه المنطقة التي لا تُحكى.

ولهذا جاءت عبارة بلقيس في القرآن دقيقة على نحو لافت، حين قيل لها عن عرشها: «أَهَكَذَا عَرْشُكِ»، فقالت: «كَأَنَّهُ هُوَ». لم تؤكد ولم تنفِ، بل بقيت بين ما تراه وما تعلمه عن إمكانه. هذا التردد ليس خطأ، بل شكل رفيع من الفهم، حيث لا تتطابق الحواس مع حكم العقل تمامًا. هنا يظهر الفهم لا بوصفه يقينًا جاهزًا، بل باعتباره توازنًا دقيقًا بين الإدراك والاحتمال.

ولعل مما يزيد الأمر غموضًا أن العربية نفسها لا تجعل الفهم كلمة واحدة بسيطة. فنحن نستعمل ألفاظًا متقاربة كالإدراك والفهم والاستيعاب والتفقه، ثم نعاملها كأنها مترادفات كاملة. غير أن أهل اللغة كثيرًا ما فرقوا بينها. فالإدراك هو بلوغ الشيء ولحوقه، وقد يكون بالحس قبل أن يكون بالعقل؛ ولذلك قد يدرك الإنسان شيئًا قبل أن يفهمه. أما الفهم فهو إصابة المعنى المقصود، وانتقال الذهن من اللفظ أو المشهد إلى ما وراءه. ثم يأتي الاستيعاب، وهو مرتبة من الإحاطة؛ كأن المعنى لم يعد مجرد معلوم عابر، بل صار حاضرًا من جوانبه المختلفة، لا يفلت منه الكثير. وأما التفقه فليس فهمًا زائدًا في الكمية، بل مختلفًا في الكيفية؛ إذ هو الفهم الذي طال مكثه حتى رسخ، وتعاقبت عليه المراجعة والتأمل والخبرة.

ولعل هذا ما يفسر لماذا لا تجمع الإنجليزية هذه المعاني كلها في لفظ واحد؛ فتتوزع بين Perception للإدراك، وUnderstanding للفهم، وComprehension للاستيعاب، ثم تعابير مثل Insight أو Deep Understanding لبعض ما يُراد بالتفقه. كأن اللغات المختلفة تلتقي، رغم تباعدها، على حقيقة واحدة: أن ما نسميه فهمًا ليس لحظة تقع، بل مسارًا يتدرج من إدراك الشيء إلى الإحاطة به ثم النفاذ إلى باطنه.

وهذا الالتباس ليس جديدًا. حين ظهر الراديو، بحث بعض الناس داخله عن بشر يتكلمون، وحين انتشرت مكبرات الصوت نُسبت أصواتها إلى الجن، وعند ظهور السينما فزع البعض من القطار الذي بدا كأنه سيخرج من الشاشة. في كل مرة، كان الإنسان يخلط بين الظاهرة ومعناها، بين الصورة ومصدرها. واليوم يتكرر المشهد بشكل أعمق: نرى كلامًا متماسكًا، فننسب إليه فهمًا كاملًا.

حتى اللغة نفسها لا تحسم الأمر. فمعنى الفهم لا يأتي واحدًا في كل الثقافات. في اليابانية يرتبط بمعنى الإدراك الداخلي والانسجام، وفي الألمانية يتصل بفكرة الإمساك كأن الفكرة شيء يُقبض عليه، وفي الصينية يقترن بالخبرة والممارسة. كأن الفهم، في جوهره، لا ينفصل عن الجسد والتجربة، مهما بدا عقليًا.

ومع تقدم العلم، لم تُحل المشكلة، بل تعمقت. فقد بدأ الباحثون يفككون كلمة الفهم إلى عناصر: إدراك لما تستقبله الحواس، وتمثيل لما يبنيه الدماغ، ومعالجة لما ينظمه، وتوقع لما يستبقه، ونموذج لما يشكله عن العالم. لم تعد الكلمة الواحدة تكفي لوصف ما يجري، فكأن المعرفة الحديثة اضطرت إلى تفكيكها بدل تعريفها.

في ضوء ذلك كله، يمكن أن نقول إن الذكاء الاصطناعي يملك نوعًا من الفهم، لكنه ليس الفهم كله. هو يجيد الأداء، ويتقن العلاقات، وربما يفعل ذلك على نحو يفوق الإنسان في بعض المجالات. لكنه لا يحمل خلف هذا الأداء تجربة معيشة، ولا ذاكرة متصلة بحياة، ولا إحساسًا داخليًا بالمعنى.

وهكذا يتبدل وجه السؤال دون أن نشعر. لم يعد السؤال: هل تُجيد الآلة الجواب؟ فذلك قد رأيناه واستمعنا إليه. وإنما السؤال: هل يكفي إحكام الكلام ليكون فهمًا؟ وهل كل ما استقام لفظه استقام معناه؟ إننا، حين نقف أمام هذا الحد الفاصل، نكتشف أن الفهم ليس فيما يُقال، بل فيما يُدرك خلف القول، وأن بين إصابة العبارة وإصابة المعنى مسافة لا تظهر في اللغة، لكنها تُعرف في التجربة.

ولهذا لم يكن أعجب ما كشفه هذا العصر أن الآلة اقتربت من لغتنا، بل أن اقترابها هذا ردّنا إلى أنفسنا، فنظرنا من جديد في كلمات كنا نستعملها في اطمئنان. فإذا بالفهم ليس يقينًا سريعًا، ولا حكمًا جاهزًا، بل موازنة دقيقة بين ظاهرٍ يُقال، ومعنى يُفهم، وسابقةٍ في النفس تعطيه وزنه. وهناك، عند هذه الحدود الخفية، يظهر الفرق الذي لا يُرى، ولكنه يُخطئ فيه كثيرون.

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا
وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ — المتنبي