نَــبَــرَ


نُــبَـرِزُ الخَـطَّ، فَيَـتَجَـلَّى البَـيَـانُ

نشأة OpenAI، عندما التقت عبقريات وادي السيليكون لصنع المستحيل

في صباح 11 ديسمبر 2015، لم يكن هناك انفجار أو فضيحة بل ما هو أخطر منهما بكثير. مجموعة من أذكى الأدمغة في السيليكون فالي قررت أمراً صارماً: سننتزع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من براثن الشركات الجشعة ونسلّمها للبشرية جمعاء.

الإعلان كان متواضعاً ظاهراً، لكنه حمل وزن قنبلة. OpenAI. مختبر أبحاث غير ربحي برسالة تشع وضوحاً. لن نسمح لأقوى تكنولوجيا عرفتها الإنسانية أن تُحتكر من قبل حفنة من الشركات التي لا تفكر إلا بالأرباح. مليار دولار على الرهان. نفوس مشبوبة بحلم. عقول ترفض السكون.

الحالمون الثلاثة

كان الأول اسمه سام ألتمان (Sam Altman). لم يكن يشبه رجال الأعمال التقليديين. في الثلاثين من عمره، حقق ما يقضي الآخرون حياتهم يطمحون إليه. وُلد في سانت لويس بولاية ميسوري، والتحق بجامعة ستانفورد حيث اكتشف حقيقة بسيطة، ولكن زلزل معناها فكره. وهي ان الجامعة تُعيد تكرار ما نعرفه بالفعل، أما الحياة فتعلّم ما يجهله الجميع. قرّر المغادرة في السنة الثانية، فعل لم يكن تهوراً بل جرأة محسوبة.

أطلق في سنة 2005 تطبيق Loopt لمشاركة المواقع الجغرافية. لم يصير من عمالقى شركيات التكنلوجيا، لكنه فتح له أبواباً لم تكن لتنفتح. استقطب إليه الأشخاص المناسبين وانغمس في النظام الصحيح للابتكار. ثم تتابعت الخطوات بسرعة الضوء. توليه قيادة Y Combinator سنة 2014، حيث مول في ثلاث سنوات فقط حوالي 1900 شركة من بينها Airbnb و DoorDash و Reddit وأسماء أخرى تحمل العالم الآن على أكتافها. غير أن ألتمان كان عقله متّجهاً نحو شيء أضخم بكثير من المال. كان يستشعر بوضوح،مستقبل آمن للبشرية بأسرها.

اما الثاني فهو إيلون ماسك (Elon Musk). حكاية مختلفة تماماً. وُلد في بريتوريا بجنوب أفريقيا، وغادر وطنه في السابعة عشرة هارباً نحو الحرية والمجهول. درس الفيزياء ثم الاقتصاد، وتوجه بشهادة من جامعة ستانفورد للدكتوراه في الفيزياء التطبيقية قبل أن يُقدم على جنون لم يتوقعه أحد، غادر بعد يومين ليؤسس X.com التي تحولت لاحقاً إلى PayPal.

لكن ماسك كان يحمل في داخله ما لا يملكه الآخرون. رؤية عميقة تخترق ما يراه الجميع. عقل يعمل بتواتر الضوء. نظر إلى المستقبل فرأى ما أعماه الآخرون عن رؤيته. كان منبراً دائم التحذير، ينادي بقوة في وجه الدنيا، الذكاء الاصطناعي أكبر تهديد وجودي يواجه الإنسانية. لم يستمع إليه أحد. فقرّر بنفسه أن يُمول أبحاث الأمان بملايين الدولارات. بات نبياً يعمل بإصرار وإن ظنه الكل مجنوناً.

عندما اقتربت من ماسك فكرة OpenAI عبر ألتمان، عرف أنه وقف على ما كان يبحث عنه طيلة هذه الأعوام. ليس مجرد منصة لصنع الذكاء الاصطناعي، بل موقع لضمان أن يُطوّر بأمان أم لا يُطوّر البتة.

غريغ بروكمان (Greg Brockman) كان الثالث في السرّ، الهادئ الذي نادراً ما تسمع اسمه. وُلد في داكوتا الشمالية عبقرياً في الرياضيات منذ نعومة أظفاره، فاز بميداليات في أولمبياد الكيمياء. ترك جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لماذا؟ لأن شركة Stripe احتاجته. صار أول مدير تقني لها وهو لم يتجاوز الخمسة وعشرين ربيعاً. وهناك أقام شيئاً لم يتخيل أحد أنه ممكن، بنية تقنية تنمو بجنون منطقي. من خمسة موظفين إلى 205 في سلاسة واحتراف لم يُرَ من قبل.

عندما استدعاه ألتمان وماسك للانضمام لم يتردد ولو للحظة واحدة. البداية كانت في غرفة معيشته. فريق صغير. قهوة سوداء. أحلام ضخمة. ليالٍ لا تنقضي من الحوار والتخطيط.

صاحب البرق المخفي

لكن الثلاثة لم يكونوا سيعملون وحدهم. كان هناك رجل واحد فقط كانت الأقدار تنتظره دون أن تعلم الأرض بقدومه. إيليا سوتسكيفر (Ilya Sutskever) وُلد في روسيا في 8 ديسمبر 1986. انتقل إلى إسرائيل ثم إلى كندا. كل هجرة كانت خطوة صامتة نحو المصير الكامن.

تحت توجيه جيفري هينتون (Geoffrey Hinton)، عبقري التعلم العميق الذي غيّر العالم، ابتكر سوتسكيفر شيئاً هزّ مسار التاريخ: AlexNet. شبكة عصبية لا ترى الصور كما يراها الإنسان فحسب، بل برؤية تفوقه بأشواط. سنة 2012، في مسابقة ImageNet كانت اللحظة: “عندما تتوجت AlexNet بالانتصار، اهتزت الأرض تحت أقدام كل شركة تقنية على الكرة”. في يوم واحد استيقظ العالم على حقيقة عارية: الذكاء الاصطناعي لم يعد خيالاً، إنه هنا والآن.

هينتون نفسه مازح عن إنجازهم بحسّ فكاهة حزينة: إيليا آمن بأننا يجب أن نفعلها، وأليكس جعلها تعمل، وأنا نلت جائزة نوبل. المزحة تخفي عدلاً تاريخياً غائباً؛ سوتسكيفر كان محرك الثورة لكنه عاش في الظل. عمل في Google بصمت على مشاريع مغلقة الأبواب. عندما دعاه ألتمان وماسك للانضمام إلى OpenAI كان جوابه بلا تردد: نعم.

هؤلاء الأشخاص لم يكونوا غرباء التقطهم القدر. بيتر ثيل (Peter Thiel) تتلمذ في ستانفورد وشارك في تأسيس PayPal. إيلون ماسك عمل هناك. ريد هوفمان (Reid Hoffman) أيضاً عاش تلك التجربة. أندريه كاربثي (Andrej Karpathy) درس في ستانفورد. جيفري هينتون درّب سوتسكيفر. يان لوكان (Yann LeCun) أشرف على باحثين سيصبحون أساطير الحقبة. كانوا خيطاً ذهبياً يلمع وسط الظلام، لا مجرد شبكة عابرة تلتقي بالمصادفة. يعرفون بعضهم جيداً من مؤتمرات علمية وأوراق بحثية وحلم موحد يربط أرواحهم.

عندما بدأ بروكمان يستقطب الفريق لم يكن يفتش عن غرباء. كان يستدعي عائلة. أناس سمعوا همسات عن OpenAI وانتظروا اللحظة التي سينالون فيها الدعوة. جاءت اللحظة المنتظرة أخيراً.

سنة 2015 كانت نقطة الانقلاب الحقيقية. السنة السابقة مباشرة حدث ما هزّ الصناعة بعنف: استحوذت Google على DeepMind بـ 500 مليون دولار. هذا الخبر وحده أرسل إشارة قاسية بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد لعبة أكاديمية، إنه معركة، إنه استراتيجيا حرب، إنه سلاح. في ساعة تبدلت الخريطة بأكملها. Facebook بنت مختبراً. Microsoft شيّدت مختبراً. كل عملاق تقني بدأ يرمي مليارات الدولارات بلا حساب. السباق انطلق والعالم لم ينتبه بعد.

ماسك وألتمان استشعرا الخطر الحقيقي. استشعرا زحف الساعة. شاهدا المستقبل يقترب بثقل. إذا ما تُرك الذكاء الاصطناعي في براثن Google و Facebook و Microsoft فستحتكره للأبد. سيصير سلاحاً بقبضة الأقوياء الأغنياء. الربح سيكون المحرك الوحيد. الإنسانية ستُحذف من المعادلة.

فاتخذا قراراً حاسماً، لا لن نترك الميدان لهم. سنشيد OpenAI من الصفر. مختبر غير ربحي. قيادة بأيدي علماء حقيقيين. نشر الأبحاث للعالم أجمع. براءات الاختراع ملك للجميع. الذكاء الاصطناعي حق إنساني وليس ملكية حصرية.

حول سوتسكيفر حشدوا من سيصبح فريق الأساطير. جون شولمان (John Schulman) الذي درس الفيزياء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا. فويتشيخ زاريمبا (Wojciech Zaremba) الصبي النجم من بولندا. أندريه كاربثي الذي أسس أول مقرر في التعلم العميق بستانفورد ورأى 750 طالب يأتي ليشرب من معينه. وبجانبهما فيكي تشونغ (Vicki Cheung) وباميلا فاجاتا (Pamela Vagata) الاثنتان اللتان قررتا نسج الأساس الذي سيحمل البناء كاملاً.

في 11 ديسمبر 2015 أعلنوا عن رؤيتهم. لا أسهم. لا مستثمرون. لا ضغط من أجل العوائد. فقط بشر يؤمنون أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً، أنبل، آمن. أعلنوا أن OpenAI ستطرح أبحاثها للعالم بحرية كاملة وأن براءات الاختراع ستكون ملك الإنسانية كلها.

لكن في تلك اللحظة بالذات، في لحظة النشوة، رقص سؤال مظلم في أعماق وعيهم جميعاً: هل يستطيعون فعلاً أن يبقوا أوفياء لحلمهم؟ هل تقدر منظمة صغيرة غير ربحية أن تقف بجانب وحوش التقنية الضخمة؟ Google تصب مليارات. Facebook تصب مليارات. Microsoft تصب مليارات. وهم؟ هل لديهم القوة الكافية؟ هل لديهم الشجاعة المطلوبة؟

هذا السؤال سيطاردهم للأبد وسيصنع كل شيء. لكن في تلك اللحظة في ديسمبر 2015 كانوا يحملون ما قد يبدو بسيطاً لكنه يختزن قوة لا متناهية، حلم. حلم بذكاء اصطناعي يُصنع برفق آمن. حلم بأداة قوية بين يدي كل إنسان وليس بين يدي الحفنة القليلة. حلم بدنيا مختلفة تماماً عن التي كانت ستأتي.