نَــبَــرَ


نُــبَـرِزُ الخَـطَّ، فَيَـتَجَـلَّى البَـيَـانُ

مَنْ يَقُودُ حَقًّا؟ رواية «المسؤولية» وسؤال الذنب في العصر الرقمي

التكنولوجيا اليوم ظلٌّ لا يفارقنا. ترافقنا في كل خطوة، حتى صرنا نعتمد خوارزمياتها في اختياراتنا اليومية دون شعور. لكن هذا التداخل يثير تساؤلًا جوهريًا: من يتحمَّل المسؤولية عندما تخطئ الآلة؟

تجادل رواية “المسؤولية” (Culpability) للكاتب الأمريكي بروس هولسينجر. بأن المسؤولية في عصر الأنظمة الذاتية لم تعد فردية. بل تتوزّع بين المستخدم والمصمِّم والمشرِّع والجهة التي صمَّمت الخوارزمية ودرَّبتها. اختارتها أوبرا وينفري ضمن ناديها للكتاب في يوليو 2025، ووصفتها بـ رواية العصر وضرورية لجميع الأجيال.

تبدأ الرواية بحادث مأساوي يُغيِّر حياة عائلة كاسيدي-شو الثرية. أثناء رحلة إلى منزلهم الصيفي على خليج تشيسابيك في ماريلاند، تتعرَّض سيارتهم الصغيرة ذاتية القيادة لحادث تصادم مميت. يجلس الابن تشارلي (17 عامًا) خلف المقود. لكن النظام الآلي يتحكَّم بالقيادة الكاملة. هذا التناقض يُشكِّل نقطة الانطلاق لاستقصاء أخلاقي عميق.

يُظْهِر هولسينجر التكنولوجيا كقوَّة فاعِلَة، لا كخلفية فحسب. فالأب نوح كاسيدي، المحامي الماهر، يحاول صياغة الحدث ضمن سردية قانونية. أما الأم لوريلي شو، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فتواجه مفارقة مريرة. مجالها الأكاديمي صار سببًا لكابوسها الشخصي. وجوه المسؤولية الثلاثة

تُفَرِّق الرواية بين ثلاثة أبعاد للمسؤولية، مُدْعِمَةً كلَّ واحدة بتفاصيل سردية:

  • القانونية: تتعلَّق بمن يُحَمِّلُ العقوبة. في مشهد التحقيق، تُسْتَدْعَى بيانات السيارة وسجلات الموقع لتحديد من سيطَرَ فعلًا بالقيادة.

  • الأخلاقية: تربط الذنب بالنية. يُعَانِي تشارلي من شعور باللوم، رغم عدم قدرته على التدخُّل، مما يُبرِزْ صراع الضمير أمام الآلة.

  • التصميمية (مسؤولية المصمِّم): تُسَاءَلُ عَنْ مَنْ بَرْمَجَ الخوارزمية. كشف التحقيق عن ثغرات في “الصندوق الأسود” للسيارة يُظْهِرْ كيف تُخْفِي الشركات مسؤوليتها وراء شروط استخدام غامضة.

هذا التصنيف يُعْطِي النقاش بنيةً فكرية متماسكة. ويُكْشِفْ كيف تُحَوِّلُ البيانات الرقمية العدالة إلى معركة حول التفسير، لا حول الحقيقة المطلقة.

الرواية تُنْاقِشْ أيضًا الامتياز الطبقي. عائلة كاسيدي-شو الثرية تستفيد من أحدث التقنيات كـ رفاهية أمان. لكنها تكتشف أنها صارت موضوع اختبار غير معلن. هذا الجانب يُطْرَحْ ضمنيًا: هل تُعَامَلُ عائلة أقل ثراءً بنفس الدقَّة في التحقيق؟

مع تصاعد الأحداث في العزلة الصيفية، تتسلَّلُ التكنولوجيا إلى العلاقات الأسرية. تُسْتَخْدَمُ الدردشات الآلية كدعم نفسي. أنظمة المراقبة تسجِّلُ التفاعلات. بيانات السلوك تصبح أدْلَةً لللوم المتبادل. الذروة والتأمُّل النهائي

تصل الرواية إلى ذروتها بسطر أخير صادم. يُقَلِّبُ فَهْمَ القارئ لدور التكنولوجيا. هنا يتَّضِحُ أن الذنب ليسَ لِطَرْفٍ وَاحِدٍ. بل شبكةٌ مِنَ التَّوَاطُؤِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْآلَةِ.

رواية «المسؤولية» تعيدنا إلى السؤال الأزلي عن الإرادة الحرة، لكن بثوب جديد. فإذا كانت الفلسفة الكلاسيكية تسأل عن حرية الإنسان أمام القدر، فإن هولسينغر يسأل عن حريته أمام الخوارزمية. والفرق أن القدر غيب نؤمن به أو ننكره، أما الخوارزمية فصندوق أسود صنعناه بأيدينا، ثم استسلمنا لحكمه.

المفارقة المأساوية تتجسد في شخصية لوريلي شو، الأم الخبيرة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تكتشف أن عمرها المهني المكرّس لترويض الآلة لم يحمِ أسرتها من أنيابها. والأقسى من ذلك أن العائلة المنكوبة تلجأ إلى التكنولوجيا نفسها طلبًا للعزاء: روبوتات الدردشة للدعم النفسي، وتطبيقات معالجة الصدمة، كمن يحتمي بالجلاد من سوط الجلاد.

أما الأب، نوح، المحامي الذي بنى مسيرته على تبرئة الشركات التقنية، فيجد نفسه ممزقًا بين واجبه في حماية ابنه، وحقيقة أن دفاعه قد يبرّئ النظام ذاته الذي دمّر حياتهم.

الرواية لا تقدم أجوبة مريحة، بل تتركنا أمام حقيقة مقلقة: أننا نعيش عصر المسؤولية المعلّقة، حيث الخطأ موجود لكن المخطئ غائب، وحيث الضحايا والجناة يستخدمون الأدوات نفسها في دائرة اعتماد مرضية لا فكاك منها.