نَــبَــرَ


نُــبَـرِزُ الخَـطَّ، فَيَـتَجَـلَّى البَـيَـانُ

من فوضى يونِكس إلى إمبراطورية رِدهات: قصة النظام الذي غيّر وجه الخوادم

في الثمانينات، كان نظام UNIX يحكم عالم الخوادم بقبضة قوية، لكنه كان نظامًا متشعّبًا ومغلقًا. كل شركة صنعت نسختها الخاصة: IBM بنظام AIX، وHP بنظام HP-UX، وSun بنظام Solaris. لم يكن هناك مرجع واحد، ولا دعم موحد، ولا طريقة سهلة للإصلاح. كان UNIX نظامًا قويًا لكنه غير قابل للتعديل ولا التوحيد، وكل شركة تسير في طريقها وحدها.

في تلك الفوضى التقنية، كانت هناك حركة أخرى تنمو في صمت داخل الجامعات والمختبرات: حركة البرمجيات الحرة. كانت لديهم تقريبًا كل أجزاء نظام التشغيل — المترجم، والصدفة، والمكتبات — لكن القطعة الأهم كانت مفقودة: النواة (Kernel).
وفي عام 1991، ظهر طالب فنلندي اسمه لينوس تورفالدز برسالة بسيطة قال فيها إنه يعمل على “نظام تشغيل صغير كهواية”. لم يكن يعلم أنه يضع حجر الأساس لنظام سيغير تاريخ التقنية. كتب النواة، وفتح كودها للعالم، فبدأ المطورون حول العالم يضيفون عليها مكونات GNU، وبهذا تكامل النظام الذي أصبح يُعرف باسم Linux. كان لينكس هو “الغراء” الذي جمع كل القطع المفتوحة في جسد واحد حيّ — وما زال لينوس نفسه حتى اليوم يطوّر تلك النواة.

ومع منتصف التسعينات، بدأ حلم لينكس ينتقل من غرف الطلبة إلى قاعات الشركات. في عام 1995، وُلدت Red Hat، شركة صغيرة أدركت سر اللعبة: “الشركات لا تشتري الكود، بل تشتري الثقة.”
قدمت Red Hat شيئًا لم يفعله أحد من قبل: نظام مفتوح المصدر، لكن بدعم مؤسسي وضمانات وتحديثات طويلة الأمد. فدخلت عالم البنوك والحكومات من أوسع أبوابه.

في عام 2003، أطلقت الشركة Red Hat Enterprise Linux (RHEL) كنسخة مستقرة موجهة للمؤسسات، بينما جعلت مشروع Fedora مختبرًا مفتوحًا لتجربة الأفكار الجديدة قبل دمجها في النظام التجاري. وبعدها ظهر مشروع CentOS — إعادة بناء مجانية من كود RHEL — فأصبح نظام الشركات الصغيرة، وملاذ كل من أراد استقرار ردهات دون تكاليفها.
كان التعاون بين RHEL وCentOS مثيرًا: أحيانًا يتبنى مجتمع CentOS إصلاحات تدمجها Red Hat لاحقًا رسميًا، مما جعل العلاقة بين المجتمع والمؤسسة أقرب من أي وقت آخر.

لكن هذا التوازن اهتزّ عام 2019، حين اشترت IBM شركة Red Hat مقابل 34 مليار دولار، وفي نهاية 2020 جاء القرار الذي صدم العالم: إيقاف CentOS التقليدي وتحويله إلى CentOS Stream، نسخة “قبل الإصدار” من RHEL وليست بعده.
الصدمة كانت كبيرة. لسنوات طويلة، كان CentOS هو “لينكس المؤسسات المجاني”، تستخدمه الشركات الصغيرة والحكومات لتوفير التكاليف دون التضحية بالاستقرار. لكن داخل Red Hat كانت هناك قناعة تتشكل: آلاف المستخدمين يعتمدون على CentOS مجانًا دون أن يدفعوا شيئًا مقابل الدعم الذي هو أساس نموذجها التجاري.

الأمر لم يكن ماليًا فقط. فمجتمع CentOS كان أحيانًا يُدخل تعديلات على الشيفرة تسبق RHEL نفسها، وأحيانًا تُدمَج تلك التعديلات لاحقًا في النظام الرسمي. هذا التداخل بين “المجتمع” و"المؤسسة" سبّب فوضى تنظيمية، ودفع Red Hat لإعادة رسم الحدود.

لكن المجتمع لم يصمت. خلال أشهر، وُلدت توزيعات جديدة مثل Rocky Linux وAlmaLinux، أعادت التوازن واستمرت في روح المصدر المفتوح التي بدأت بها الحكاية.

وفي أوروبا، كانت openSUSE تواصل قصتها الخاصة. بدأت في أمريكا أوائل التسعينات لكنها ازدهرت في ألمانيا، حيث وجدت بيئة تحب الدقة والتنظيم. أصبحت نظامًا مفضلًا في الجامعات والمختبرات، خاصة في أوروبا الوسطى، لكنها لم تدخل سوق الدعم التجاري بقوة مثل Red Hat. ومع ذلك، بقيت رمزًا للثبات والجودة التقنية.

ومع مرور الوقت، تحولت Red Hat من شركة صغيرة إلى أمّ لأنظمة كثيرة. فالكود المفتوح لـ RHEL أصبح قاعدة تُبنى عليها أنظمة حول العالم.
في الصين، طوّرت هواوي نظامها الخاص EulerOS المبني على RHEL لخدمة البنية التحتية الوطنية.
وفي أمريكا، طوّرت أمازون نظامها Amazon Linux AMI لتشغيل خوادم AWS، المبني بدوره على نفس القاعدة.
أما Oracle Linux فاستنسخ RHEL وأضاف إليه نواة “Unbreakable Kernel” لخدمة قواعد بياناتها العملاقة.
وفي روسيا، ظهر ROSA Linux كفرع موجه للمؤسسات الحكومية والتعليمية، يحتفظ بروح ردهات لكنه يلبس ثوبًا محليًا.

بهذا، أصبحت Red Hat مثل جذع شجرةٍ ضخمة تتفرع منه أنظمة عالمية — بعضها مفتوح بالكامل مثل Alma وRocky، وبعضها مغلق جزئيًا كـ Oracle وEulerOS.
وإن نظرت اليوم إلى الخوادم حولك، ستجد أن أغلبها ينتمي بطريقة أو بأخرى إلى هذه السلالة الحمراء.

لقد بدأت القصة بنظام UNIX الممزق، وتحولت إلى حلم مفتوح اسمه Linux، ثم أصبحت مؤسسة عملاقة اسمها Red Hat، ثم عائلة من الأنظمة تغذي الإنترنت من كل جانب.
إنها رحلة من الفوضى إلى النظام، ومن الكود إلى الثقة، ومن الهواية إلى الإمبراطورية.
وربما، كما قال أحد مهندسي Red Hat ذات مرة:

“لم نكن نريد أن نبيع لينكس، كنا نريد فقط أن نجعل العالم يثق بالمصدر المفتوح.”