حين أفلَت شمس Solaris ومات CentOS: كيف تُختطف المنصات، ولماذا تقف البرمجيات الحرة كلها في منطقة الخطر؟
هناك مقبرة لا تقع عند أطراف المدن، ولا يحيط بها سور، ولا تُغرس عند مداخلها الأشجار. لا يزورها الناس بالورود، ولا تُتلى عندها الصلوات، ولا تحمل قبورها أسماء منقوشة على الرخام. إنها مقبرة من نوع آخر. مستودعات مهجورة، صفحات وثائق توقفت عند إصدار لم يكتمل، قوائم بريدية خمدت فجأة، ومشاريع كانت يومًا في قلب الصناعة ثم انزلقت إلى الهامش. خوادم ما زالت تعمل في العتمة لأن أحدًا لم يجرؤ بعد على فصلها، لا حبًا فيها، بل خشية العبث بشيء لم يعد أحد يفهمه تمامًا. هنا تُدفن المنصّات التقنية؛ أنظمة تشغيل، وقواعد بيانات، وأدوات تطوير، ومشاريع كان يُظنّ في زمن قريب أنها راسخة كأنها جزء من طبيعة العالم الرقمي نفسه، ثم تبيّن لاحقًا أن صلابتها كانت مشروطة: بميزانية، أو بإرادة مجلس إدارة، أو بعملية استحواذ، أو بتبدّل بارد في تعريف الشركات لمعنى “القيمة”.
في هذه المقبرة ترقد منصّات لم تمت لأنها كانت رديئة؛ بل إن بعضها مات وهو ما يزال جميلًا، متماسكًا، مثيرًا للإعجاب، ومحمّلًا بأفكار سبقت زمنها. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في عالم التقنية: فليس العجيب أن يفشل الرديء، فهذا أمر مفهوم، ولكن العجيب حقًا أن يسقط الممتاز، لا لضعفٍ فيه، بل لأن البنية التي حملته كانت أضعف من أن تحميه من السوق، أو الملكية، أو الاستحواذ، أو تقلّب المصالح. ومن بين هذه الأشباح يقف Solaris مثالًا لافتًا للتأمل؛ فقد كان، في وقت من الأوقات، أحد أعظم أنظمة التشغيل في العالم. ومع ذلك انتهى.
ثم جاءت قصة أخرى أحدث زمنًا وأقرب إلى جيل كامل من مستخدمي لينكس: قصة CentOS وتحويله إلى CentOS Stream، وما تلا ذلك من إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والشركة الراعية. قد تبدو القصتان متباعدتين في الظاهر؛ Solaris نظام Unix مؤسسي من عصر مختلف، وCentOS توزيعة لينكس مجانية من عالم آخر. غير أن بينهما خيطًا عميقًا يكاد يتكرر كقانون غير مكتوب: حين تبني المجتمعات التقنية مستقبلها فوق منصة تملك جهة واحدة القدرة الفعلية على تغيير مسارها، يصبح الاستقرار مؤقتًا مهما بدا طويل الأمد وطبيعيًا.
في أحد أيام أبريل من عام 2009 تلقّى سكوت ماكنيلي، الشريك المؤسس لشركة Sun Microsystems والرجل الذي قادها لأكثر من عقدين، مكالمة قصيرة: Oracle فازت. كانت IBM قد دخلت بالفعل في مفاوضات للاستحواذ على Sun، وكانت الصفقة تبدو شبه محسومة، قبل أن يدخل لاري إليسون بعرض أعلى. وافق مجلس الإدارة، وسارت الأمور كما تسير عادة في مثل هذه اللحظات؛ المحللون يتحدثون عن “تكامل استراتيجي”، والأسواق تتحدث عن “تعظيم القيمة”، والنشرات الصحفية تفيض بلغة ملساء عن “الفرص الجديدة”.
غير أن ما جرى داخل مكاتب Sun لم يكن يشبه انتصارًا بقدر ما كان أقرب إلى عزاء مؤجّل. المهندسون الذين بنوا Solaris وZFS وDTrace ومعالجات SPARC كانوا يدركون شيئًا لا تراه جداول وول ستريت بسهولة: أن Oracle لم تكن تأتي حبًا في روح Sun الهندسية، بل من أجل الأصول. Java وMySQL وSolaris وبراءات SPARC كانت جميعها عناصر ثمينة في الصفقة، أما البشر الذين صنعوا هذه المنظومة فكانوا، في لغة الاستحواذ الباردة، بنود تكلفة يمكن تقليصها أو إعادة ترتيبها.
لم يكن مهندسو Sun سذّجًا؛ فكثير منهم عاش ما عُرف بحروب Unix، ورأى كيف اختفت شركات عظيمة مثل DEC وSGI حين تغيّر ميزان السوق، وكيف بدأت أنظمة Unix المغلقة تفقد بريقها تدريجيًا مع صعود لينكس. كان بعضهم يأمل أن يكون فتح Solaris عبر مشروع OpenSolaris مخرجًا من ذلك المصير، وربما كان هذا الأمل قريبًا من الصواب، لكنه لم يكن كافيًا. فقرب الحل في عالم المنصّات لا يعني نجاتها.
لفهم Solaris لا يكفي أن نصفه بأنه نظام تشغيل من Sun، فهذه عبارة صحيحة لكنها تختزل تجربة كاملة في بطاقة تعريف صغيرة. ظهرت Sun Microsystems عام 1982 في وادي السيليكون، وكان اسمها نفسه اختصارًا لعبارة Stanford University Network. رؤية مؤسسيها، ومن بينهم Bill Joy وAndy Bechtolsheim، كانت واضحة: القوة الحاسوبية ينبغي ألا تبقى حبيسة غرف الحوسبة المركزية، بل تهبط إلى مكاتب المهندسين والباحثين.
لم تكن Sun تبيع عتادًا فحسب، ولا برامج فحسب، بل كانت تبيع تصورًا كاملًا للحوسبة: محطات عمل قوية، خوادم مؤسسية، معالجات SPARC، أدوات تطوير، بنية شبكية، ونظام تشغيل يشدّ هذه العناصر كلها في نسيج واحد. وكان شعارها الشهير “The Network Is The Computer” تعبيرًا مبكرًا عن رؤية للحوسبة الموزعة قبل أن تصبح كلمة السحابة جزءًا من اللغة اليومية للتقنية.
قبل Solaris كان هناك SunOS المبني على BSD Unix، غير أن عالم Unix في تلك الحقبة كان يعيش انقسامات عميقة عُرفت لاحقًا بحروب Unix، حيث تنافست الشركات والمواصفات والواجهات في سوق مضطرب. وسط تلك الفوضى ظهر Solaris ليصبح خلال التسعينيات أحد أكثر أنظمة التشغيل نضجًا واحترامًا في الصناعة. وفي ذروة فقاعة الإنترنت تجاوزت القيمة السوقية لشركة Sun مئتي مليار دولار؛ لم تكن مجرد شركة تقنية ناجحة، بل حضارة هندسية كاملة.
أحب المهندسون Solaris لسبب بسيط وعميق في آن واحد: لأنه لم يكن نظامًا مستقرًا فحسب، بل منصة تحمل طموحًا هندسيًا واضحًا. من أبرز ابتكاراته نظام الملفات ZFS الذي أعاد التفكير في التخزين من أساسه، مع مفهوم النسخ عند الكتابة واللقطات الفورية وفحص سلامة البيانات وإدارة السعات الهائلة ضمن بنية واحدة. ثم جاءت أداة DTrace التي سمحت للمهندسين بمراقبة ما يحدث داخل النظام في الزمن الحقيقي دون الحاجة إلى إعادة تشغيله أو إعادة تجميعه.
وقدمت Zones بيئات معزولة تشترك في النواة نفسها، وهي فكرة سبقت الحاويات الحديثة بسنوات طويلة. أما أنظمة إدارة الخدمات واكتشاف الأعطال مثل SMF وFMA فقد منحت النظام قدرة نادرة على تشخيص مشكلات العتاد والبرمجيات وعزلها بذكاء. هذه لم تكن مجرد ميزات تقنية؛ كانت تعبيرًا عن مدرسة كاملة في هندسة الأنظمة، ولهذا ما زال Solaris يثير احترام كثير من المهندسين حتى اليوم، حتى أولئك الذين لم يستخدموه في حياتهم العملية.
ومع ذلك سقط. كثير من الروايات المبسطة تقول إن Oracle هي التي قتلته، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فقد تراكمت عدة إخفاقات بنيوية ببطء حتى أصبح سقوطه ممكنًا. أحد هذه العوامل كان ارتباط Solaris الوثيق بعتاد Sun نفسه؛ إذ كانت الشركة تربح أساسًا من بيع الخوادم ومحطات العمل، وكان النظام جزءًا من قيمة هذا العتاد.
لكن مع صعود خوادم x86 الرخيصة أصبح بإمكان الشركات تشغيل لينكس على عتاد أقل تكلفة بكثير. لم ينتصر لينكس لأنه أفضل في كل شيء، بل لأنه كان يعمل على كل عتاد تقريبًا، ولا يعتمد على شركة واحدة، وينمو مع السوق بدل أن يقاومه. أما Solaris فبقي مرتبطًا بصحة Sun التجارية ارتباطًا عضويًا.
ثم جاء عامل آخر لا يقل أهمية: اختيار رخصة CDDL لمشروع OpenSolaris. كانت هذه رخصة مفتوحة بالفعل، لكنها غير متوافقة مع رخصة GPL التي يقوم عليها لينكس، وهو ما جعل نقل ابتكارات Solaris الكبرى مثل ZFS وDTrace إلى نواة لينكس أمرًا معقدًا أو مستحيلًا من الناحية القانونية. لو كانت الرخصة مختلفة ربما أصبح تراث Solaris اليوم جزءًا طبيعيًا من منظومة لينكس.
يضاف إلى ذلك أن المجتمع حول Solaris جاء متأخرًا نسبيًا؛ فعندما فُتح النظام جزئيًا عبر OpenSolaris كان لينكس قد بنى بالفعل مجتمعًا عالميًا ضخمًا يضم آلاف المساهمين ومئات الشركات الداعمة ومنظومة هائلة من الأدوات والتوزيعات. أما مجتمع Solaris فظل أصغر حجمًا، وفي عالم المصدر المفتوح يصبح حجم المجتمع أحيانًا بوليصة التأمين الوحيدة ضد موت الراعي التجاري.
حين استحوذت Oracle على Sun عام 2010 لم تكن تشتري شركة في أوج قوتها، بل كيانًا يملك أصولًا هندسية عظيمة في عالم تغيرت قواعده الاقتصادية. غير أن قرارًا واحدًا كان كفيلًا بتغيير مسار المستقبل: إيقاف مشروع OpenSolaris. ردّ المجتمع بإنشاء illumos ومشاريع أخرى مثل OpenIndiana وSmartOS، لكن الجاذبية التاريخية كانت قد انتقلت بالفعل إلى لينكس. لم يمت Solaris بانفجار مفاجئ، بل بانكماش بطيء في الثقة والمجتمع والخيال.
وقد تبدو قصة CentOS مختلفة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تعبير آخر عن القانون نفسه. كان CentOS إعادة بناء مجانية لنظام Red Hat Enterprise Linux، وقد بدت المعادلة مثالية للمستخدمين: استقرار RHEL ودورة حياة طويلة وتوافق واسع، ولكن دون تكلفة الاشتراك التجاري.
غير أن داخل هذه المعادلة كان يوجد توتر واضح منذ البداية: كيف يمكن لشركة أن تبقى مرتاحة تمامًا لوجود نسخة مجانية تقدم معظم فوائد منتجها التجاري؟ في ديسمبر 2020 أعلنت Red Hat إنهاء CentOS التقليدي واستبداله بـ CentOS Stream. لم يعد المشروع نسخة مستقرة تأتي بعد RHEL، بل أصبح فرع تطوير يسبق الإصدارات النهائية.
بالنسبة للشركة كان القرار منطقيًا من زاوية نموذج الأعمال، لكنه بالنسبة لكثير من المستخدمين بدا كسرًا لعقد غير مكتوب. لم تكن المشكلة تقنية فحسب، بل كانت نفسية وسياسية أيضًا؛ فقد أدرك كثيرون فجأة أن الترتيب الذي اعتمدوا عليه لسنوات يمكن تغييره بقرار واحد يصدر من داخل شركة واحدة.
هنا تظهر المسألة الأعمق في عالم البرمجيات الحرة: مسألة الحوكمة. فالمصدر المفتوح لا يعني تلقائيًا سيطرة المجتمع على المشروع. الرخص الحرة تمنحك حق رؤية الشيفرة وتعديلها وإعادة توزيعها، لكنها لا تضمن من يحدد الاتجاه أو من يملك العلامة التجارية أو من يتحكم بالبنية التحتية أو من يرسم خارطة الطريق.
المشاريع التي صمدت طويلًا مثل Linux وDebian وPostgreSQL نجحت لأنها طورت نماذج حوكمة توزّع السلطة ولا تتركها مركزة بالكامل في يد شركة واحدة. أما المشاريع التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجهة تجارية واحدة فتبقى دائمًا عرضة لتغيّر مفاجئ في الاتجاه.
من هنا يظهر الدرس الذي تكشفه قصتا Solaris وCentOS معًا: البرمجيات الحرة لا تُحمى بالنوايا الطيبة وحدها، بل بالهياكل. تحميها الرخص، والحوكمة، واتساع المجتمع، وتوزيع النفوذ بين أطراف متعددة. فالشيفرة المفتوحة وحدها لا تكفي إذا ظل مستقبل المشروع رهينة قرار يمكن أن يصدر في اجتماع مغلق.
ولعل الصورة الأبلغ لهذه الفكرة أن نتخيل خادمين في مركز بيانات بارد. أحدهما يعمل بنظام Solaris منذ سنوات طويلة، وكل شيء فيه يشهد على عبقرية هندسية عميقة، لكن لا أحد يبني حوله مستقبلًا جديدًا. والآخر يعمل بنظام CentOS بعد أن اكتشف مديره أن الأرض التي وقف عليها لسنوات يمكن أن تتغير بقرار واحد.
هذان الخادمان ليسا قصتين منفصلتين، بل فصلان من القصة نفسها؛ قصة ما يحدث حين تُبنى تقنيات عظيمة داخل هياكل يمكن الاستيلاء على مسارها بقرار يصدر من غرفة مجلس إدارة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في عالم البرمجيات الحرة لم يعد: هل الكود مفتوح؟ بل أصبح سؤالًا آخر أكثر عمقًا: من يملك حق تحديد مستقبله؟
فحرية البرمجيات لا تعني فقط أن ترى الشيفرة، بل أن لا يبقى مصيرها النهائي رهينة قرار يمكن أن يُتخذ في اجتماع مغلق بعيدًا عن المجتمع الذي بنى حولها عالمه.