ثلاثة تمردات
في 2025، ثلاث لقطات تمرّ بسرعة، كأنها لا تخصّ بعضها: رسالة اعتراض من صنّاع سينما في هوليوود على اندماجٍ إعلامي ضخم، كاسيت يعود فجأة إلى الرفوف ويُباع منه مئات الآلاف بعد أن كاد يختفي، ومايكروسوفت تعرض خاصية اسمها Microsoft Recall، تلتقط ما على شاشتك وتحفظه لتسترجعه لاحقاً.
لا تبدو متشابهة. لكن تحتها خيط واحد: كلّها، بطريقة ما، تتشاجر مع فكرة أن هناك من يختار بدلاً عنك.
في السينما، الاعتراض لم يكن على الاندماج نفسه بقدر ما كان على ما يجرّه معه. نصّ الرسالة كان واضحاً: عدد أقل من الجهات يقرر، وأنواع أقل من القصص تصل. حين يحدث هذا، لا تختفي الأفلام الكبيرة، تلك تجد طريقها دائماً. لكن أول ما يُستبعد هو الفيلم الذي لا يعرف أحد كيف يبيعه قبل أن يُصنع. فيلم مثل Marriage Story أو Nightcrawler. لا وصفة جاهزة، لا بطل خارق، ولا نهاية مضمونة.
ومن الجهة الأخرى، تقول الشركات إن هذه الصفقات تفتح السوق، وتخلق فرصاً أوسع، وتسمح بتمويل أعمال لم تكن ممكنة سابقاً. هذا صحيح جزئياً. لكن التجربة تُظهر شيئاً آخر أيضاً: حين يكبر الكيان، يصبح الخطأ مكلفاً، وحين يصبح الخطأ مكلفاً… تقلّ المغامرة.
حين يحدث هذا، لا أحد ينتظر إذناً. الناس تمشي في اتجاه آخر، بهدوء.
الكاسيت واحد منها
في متجر صغير، يروي صاحبه أن شاباً دخل، اشترى شريطاً، ثم توقّف وسأل: كيف أُشغّله؟ لم يكن يمزح. لم يستخدم واحداً من قبل. بعد دقائق، جاءت تلك النقرة الأولى، صوت بسيط، فضحك. ليس لأن الصوت أفضل. بل لأن هناك بداية واضحة، لا أحد يختارها عنه.
في خدمات مثل Spotify، الموسيقى لا تبدأ فعلاً. هي تستمر. تقترح، تعدّل، تتوقّع. أحياناً تصيب بشكل مدهش. وأحياناً… تشبهك أكثر مما ينبغي.
الكاسيت يفعل العكس تماماً. يضعك داخل حدود. ألبوم واحد. ترتيب واحد. لا اقتراحات. ليس حنيناً كما يبدو. هو شيء آخر. أن تكون التجربة لك، حتى لو كانت ناقصة.
ظهوره في Guardians of the Galaxy أعاده إلى الواجهة لجيلٍ كامل. نعم، لكن الفيلم لم يخلق الفكرة. فقط أعطاها صورة. ما بقي بعدها هو الإحساس. أن ما تسمعه لا يتغير كل دقيقة.
سأنأى عن الأمس، حين أُعيد له إرثه: الذاكرة.
— محمود درويش
لا تسألك خاصية Microsoft Recall ماذا تريد أن تتذكّر. هي تحفظ كل شيء، ثم تنتظر أن تسأل.
الفكرة مغرية. أن تجد أي شيء مرّ عليك: صفحة، صورة، رسالة. لا تضيع التفاصيل. لا تضيع السياقات. هذا مفيد، خصوصاً لمن يعمل ساعات طويلة على جهازه.
لكن التجربة تفتح باباً آخر. لأن ما يُحفظ ليس ما اخترت حفظه، بل ما ظهر. فرق صغير… لكنه ليس صغيراً فعلاً.
هنا يحدث التحوّل الهادئ المقلق: الخصوصية لم تعد ما تقرر مشاركته، بل ما مرّ أمامك ولو لثوانٍ.
طبعاً، تقول مايكروسوفت إن بالإمكان إيقاف الخاصية، أو تحديد ما تُسجّله. وهذا مهم. لكنه لا يغيّر السؤال نفسه.
وأنا، بصراحة، لا أعرف إن كانت الذاكرة الكاملة فكرة مريحة فعلاً. هناك فرق. أشعر به أكثر مما أستطيع شرحه. بين شريط قد يبتلع جزءاً مما سجلته، ونظام لا ينسى حرفاً.
الأول لك. الثاني… ليس واضحاً بعد.
إذا عدنا خطوة للخلف، سنجد أن هذه الأمثلة لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المسافة. المسافة بينك وبين ما تختار.
في السينما، المسافة تكبر حين يضيق القرار.
في الموسيقى، تختفي حين تختار أنت.
في التقنية، تعود بشكل جديد… أكثر هدوءاً.
ولهذا، لا يبدو مشهد شابٍ يقلّب شريط كاسيت بيده مشهداً من زمنٍ انتهى.
يبدو كفعلٍ لا يحتاج شرحاً.
بداية.
نهاية.
وما بينهما… كما هو.