حين أفلَت شمس Solaris ومات CentOS: كيف تُختطف المنصات، ولماذا تقف البرمجيات الحرة كلها في منطقة الخطر؟

هناك مقبرة لا تقع عند أطراف المدن، ولا يحيط بها سور، ولا تُغرس عند مداخلها الأشجار. لا يزورها الناس بالورود، ولا تُتلى عندها الصلوات، ولا تحمل قبورها أسماء منقوشة على الرخام. إنها مقبرة من نوع آخر. مستودعات مهجورة، صفحات وثائق توقفت عند إصدار لم يكتمل، قوائم بريدية خمدت فجأة، ومشاريع كانت يومًا في قلب الصناعة ثم انزلقت إلى الهامش. خوادم ما زالت تعمل في العتمة لأن أحدًا لم يجرؤ بعد على فصلها، لا حبًا فيها، بل خشية العبث بشيء لم يعد أحد يفهمه تمامًا. هنا تُدفن المنصّات التقنية؛ أنظمة تشغيل، وقواعد بيانات، وأدوات تطوير، ومشاريع كان يُظنّ في زمن قريب أنها راسخة كأنها جزء من طبيعة العالم الرقمي نفسه، ثم تبيّن لاحقًا أن صلابتها كانت مشروطة: بميزانية، أو بإرادة مجلس إدارة، أو بعملية استحواذ، أو بتبدّل بارد في تعريف الشركات لمعنى “القيمة”.

#مقال #لينكس

كيف تتعلم الأنظمة من الجرح

لم يكن العلم عند الأسلاف بحثًا عن يقينٍ نهائي، بل تمرينًا طويل النفس على إدارة عدم اليقين، وتقليص مساحة الخطأ، وتعريض الفكرة للاختبار قبل الثقة بها. الحقيقة لا تُمنَح بالتسليم، بل تُوضَع أمام الزمن؛ فإن صمدت، لم تصبح مطلقة، لكنها تكتسب وزنًا، ويُسمح لها بالبقاء قليلًا.

حين نقرأ ابن خلدون اليوم، لا نقرأه كمؤرخ فقط، بل كمحلل بنيوي يراقب الأنظمة وهي تنجح… ثم تضعف من حيث لا تشعر. لم يستخدم مصطلحات معاصرة كـ«الهشاشة»، لكنه وصف آليتها بدقة لافتة: الرفاه الطويل، والاستقرار غير المختبَر، يُرخيان قبضة العصبية، ويصنعان دولة تبدو متماسكة في مظهرها، لكنها فقدت شدّتها الداخلية. النجاح، حين لا يُحتكّ، لا يتحول إلى أمان، بل إلى قابلية كامنة للكسر. السكون الطويل ليس سلامًا؛ هو فقط صدمة مؤجلة.

#مقال

هَمسٌ وشيفرة: لماذا تخاف الحكومات من البرمجيات الحرّة؟

من أراد أن يفهم لماذا تتردد الحكومات أمام البرمجيات مفتوحة المصدر، عليه أن يبدأ من القصص لا من الشعارات. من الحكايات التي لا تُقال في المؤتمرات، بل في الممرات وبين المكاتب. هناك، في الذاكرة الإدارية، تعيش حكايات الإخفاقات والانقلابات الصغيرة والعناوين الصحفية التي أوقعت مسؤولين في أزمة. تلك القصص لا تُكتب في التقارير الرسمية، لكنها تبقى في ذهن من يوقّع على العقد التالي. ومن هنا يبدأ الحذر قبل الحديث عن أي ثورة رقمية.

#مقال

مَنْ يَقُودُ حَقًّا؟ رواية «المسؤولية» وسؤال الذنب في العصر الرقمي

التكنولوجيا اليوم ظلٌّ لا يفارقنا. ترافقنا في كل خطوة، حتى صرنا نعتمد خوارزمياتها في اختياراتنا اليومية دون شعور. لكن هذا التداخل يثير تساؤلًا جوهريًا: من يتحمَّل المسؤولية عندما تخطئ الآلة؟

تجادل رواية “المسؤولية” (Culpability) للكاتب الأمريكي بروس هولسينجر. بأن المسؤولية في عصر الأنظمة الذاتية لم تعد فردية. بل تتوزّع بين المستخدم والمصمِّم والمشرِّع والجهة التي صمَّمت الخوارزمية ودرَّبتها. اختارتها أوبرا وينفري ضمن ناديها للكتاب في يوليو 2025، ووصفتها بـ رواية العصر وضرورية لجميع الأجيال.

#مقال

كيف يعلّمنا لينكس فلسفة “الحدّ الأدنى الرقمي”

يقول الإمام الشافعي:

ومن لم يذق مُرَّ التعلّمِ ساعةً تجرّع ذُلَّ الجهلِ طولَ حياته

في زمنٍ صارت فيه التقنية تعدنا بالسهولة المطلقة، وبأن كل شيء يجب أن يتم “بنقرة واحدة”، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل الأمر مريح؟ بل: ماذا نخسر مقابل هذه الراحة؟

يطرح أستاذ علوم الحاسوب في جامعة جورجتاون، كال نيوبورت في كتابه «الحدّ الأدنى الرقمي (Digital Minimalism)» فكرة قد تبدو للوهلة الأولى قاسية: أن الراحة، حين تتحول إلى غاية بحد ذاتها، قد تنقلب من نعمة إلى عبءٍ خفي. فالسهولة الدائمة لا تصنع إنسانًا واعيًا، بل مستخدمًا معتمدًا. والمقصود بالحدّ الأدنى الرقمي هنا هو استخدام التقنيات الرقمية بوعي وانتقائية، بحيث نخدم بها قيمنا وأهدافنا الحقيقية، لا أن نستخدم كل تطبيق أو خدمة لمجرد أنها موجودة أو شائعة.

#لينكس #مقال

بين "التقنية" و"التكنولوجيا".. معركة المصطلح وهوية العصر

في ذلك العصر الذي انكسرت فيه حواجز الزمن، وتسارعت فيه خطى البشرية تسارعًا لم تعهده من قبل، وجدت أمتنا العربية نفسها على عتبة عالم غريب. عالم يطن بأجهزةٍ تئن بالبيانات، وتهمس بأسلاكٍ تنقل أنباء العالم في لمح البرق. دخلت علينا مصطلحات جديدة كأنها طلائع جيش غازٍ، تحمل في أحشائها روح عصرٍ لم نشارك في صنع فجره. وكان من بين تلك المصطلحات لفظان يترددان على الأسماع، في المؤتمرات والمعاهد، وفي صفحات الجرائد الناطقة بالضاد: “تكنولوجيا المعلومات” و"تقنية المعلومات".

#مقال